الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

43

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من قبل فنجّاه اللّه من العذاب بخارق عادة . وإنّما حذف فعل القول لتمثيل قائل القول كالحاضر وقت نزول هذه الآية ، وقد سمع كلامهم وعلم غرورهم فنطق بهذا الكلام ترويعا لهم . وهذا من استحضار الحالة العجيبة كقول مالك بن الريب : دعاني الهوى من أهل ودّي وجيرتي * بذي الشّيّطين فالتفتّ ورائيا فتخيل داعيا يدعوه فالتفت ، وهذا من التخيّل في الكلام البليغ . وجعل العذاب مظروفا في الريح مبالغة في التسبب لأن الظرفيّة أشدّ ملابسة بين الظرف والمظروف من ملابسة السبب والمسبب . والتدمير : الإهلاك ، وقد تقدم . و كُلَّ شَيْءٍ مستعمل في كثرة الأشياء فإن ( كلّا ) تأتي كثيرا في كلامهم بمعنى الكثرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ في سورة يونس [ 97 ] . والمعنى : تدمر ما من شأنه أن تدمره الريح من الإنسان والحيوان والديار . وقوله : بِأَمْرِ رَبِّها حال من ضمير تُدَمِّرُ . وفائدة هذه الحال تقريب كيفية تدميرها كلّ شيء ، أي تدميرا عجيبا بسبب أمر ربها ، أي تسخيره الأشياء لها فالباء للسببية . وأضيف الرب إلى ضمير الريح لأنها مسخرة لأمر التكوين الإلهي فالأمر هنا هو أمر التكوين . فَأَصْبَحُوا أي صاروا ، وأصبح هنا من أخوات صار . وليس المراد : أن تدميرهم كان ليلا فإنهم دمّروا أياما وليالي ، فبعضهم هلك في الصباح وبعضهم هلك مساء وليلا . والخطاب في قوله : لا تَرى لمن تتأتّى منه الرؤية حينئذ إتماما لاستحضار حالة دمارهم العجيبة حتى كأن الآية نازلة في وقت حدوث هذه الحادثة . والمراد بالمساكن : آثارها وبقاياها وأنقاضها بعد قلع الريح معظمها . والمعنى : أن الريح أتت على جميعهم ولم يبق منهم أحد من ساكني مساكنهم . وقوله : كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ أي مثل جزاء عاد نجزي القوم المجرمين ، وهو تهديد لمشركي قريش وإنذار لهم وتوطئة لقوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ [ الأحقاف : 26 ] . وقرأ الجمهور لا تَرى بالمثناة الفوقية مبنيا للفاعل وبنصب مَساكِنُهُمْ وقرأه عاصم وحمزة وخلف بياء تحتية مبنيا للمجهول وبرفع مَساكِنُهُمْ وأجرى على الجمع